مركز “طبّ الأنكولوجيا” بين بصيص الأمل ومعاناة المرضى

12:29 ص, السبت, 24 أكتوبر 2026
مركز “طبّ الأنكولوجيا” بين بصيص الأمل ومعاناة المرضى

 

أصوات موريتانيا (نواكشوط)-  استمعتُ، مثل غيري، عبر هذا الفضاء إلى شهادات مباشرة أدلى بها بعض مراجعي المركز الوحيد في البلاد المتخصص في علاج الأورام السرطانية، المعروف محليًا بـ«طب الأنكولوجيا»، وجدتُ نفسي مدفوعًا إلى مشاركة تجربتي الشخصية، بعد أكثر من أربعة أشهر من المراجعة شبه اليومية لهذا المرفق رفقة زوجتي، رحمها الله.

لا أنكر أن هذا المركز يمثّل بصيص أمل لكثير من المرضى، كما أن عددًا من أطبائه وعماله يتحلّون بحسن المعاملة والتعامل الإنساني مع المراجعين، فضلًا عن موقعه الاستراتيجي في قلب العاصمة. غير أن هذه الجوانب الإيجابية، على أهميتها، لا ينبغي أن تحجب حجم الاختلالات والنواقص التي يعاني منها المركز، والتي تجعل الأمل الذي يتشبث به المرضى أكبر بكثير مما توفره لهم الإمكانات المتاحة على أرض الواقع.

لقد أمضيت أكثر من أربعة أشهر أراجع هذا المركز بشكل شبه يومي رفقة زوجتي، رحمها الله، لكنني لم ألحظ تحسنًا في حالتها الصحية، بل كانت تتدهور يومًا بعد يوم، إلى أن لفظت أنفاسها الأخيرة داخل المركز. وهي تجربة مؤلمة جعلتني أقف عن قرب على واقع هذا المرفق، وأخرج بعدد من الملاحظات التي أرى أن من الضروري طرحها بكل مسؤولية وموضوعية.

أبرز الملاحظات التي وقفت عليها:

– الطاقم الطبي:* رغم كفاءة الطاقم الطبي وحضوره في معظم الأوقات، فإن قلة أفراده مقارنة بالعدد المتزايد يوميًا من المراجعين تطرح تساؤلات حول مدى قدرة المركز على تلبية احتياجات المرضى بالشكل المطلوب.

– ضيق المكان ونقص الأسرة: يعاني المركز من محدودية المساحة، الأمر الذي ينعكس على ظروف استقبال المرضى، ويؤدي إلى عدم توفر عدد كافٍ من الأسرة لاستيعاب الحالات التي تحتاج إلى الرعاية.

– تعطل أجهزة التصوير بالسكانير: يتكرر تعطل هذه الأجهزة، في ظل الضغط الكبير عليها وكثرة الحالات التي تحتاج إلى الفحوصات، وهو ما قد يزيد من معاناة المرضى ويؤخر حصولهم على الخدمات المطلوبة.

– ضيق قاعة العلاج الكيميائي: لا تتناسب مساحة الغرفة المخصصة لتلقي جرعات العلاج الكيميائي مع حجم الإقبال عليها، فضلًا عن اختلاف الحالات الصحية والنفسية للمرضى، الأمر الذي قد ينعكس سلبًا على راحتهم واستقرارهم النفسي خلال فترة العلاج.

– غياب غرف مخصصة للحالات الحرجة: من بين أبرز الصعوبات التي لاحظتها عدم توفر غرف مناسبة لإيواء الحالات التي تستدعي المراقبة والرعاية المستمرة، مما يضطر بعض المرضى إلى مراجعة المركز ثلاث أو أربع مرات في اليوم الواحد، في رحلة مرهقة لهم ولذويهم.

وفي ضوء هذه الملاحظات، آمل أن تسفر زيارة الوزير الأول للمركز اليوم عن نتائج ملموسة، وأن تكون مناسبة للاستماع إلى انشغالات المرضى وذويهم، والوقوف ميدانيًا على حجم التحديات التي يواجهها هذا المرفق العمومي، الذي أصبح جزءًا أساسيًا من المنظومة الصحية الوطنية.

إن المطلوب ليس مجرد زيارات تفقدية أو وعود عابرة، بل إجراءات عملية تترجم إلى تحسين البنية التحتية، وتوفير التجهيزات الطبية اللازمة، وزيادة عدد الأسرة، وتعزيز الطاقم البشري، وتوفير الظروف الملائمة لاستقبال المرضى وعلاجهم بكرامة.

وفي الختام، أقولها من واقع تجربة شخصية مريرة: إن مركز الأنكولوجيا، رغم ما يمثله من أمل للمرضى، لا ينبغي أن يظل مجرد محطة يتشبث فيها المصابون بالسرطان بالأمل، بينما تستمر معاناتهم مع نقص الإمكانات وضيق المكان وصعوبة الحصول على الرعاية المطلوبة.

رحم الله زوجتي وجميع من فقدناهم بسبب هذا المرض، ونسأل الله الشفاء العاجل لكل المرضى، وأن يمنحهم القوة والصبر، وأن تجد معاناتهم من يصغي إليها بصدق، ويعمل على تخفيفها بالفعل لا بالقول فقط.

احمدو ولد مختاري

#أصوات_موريتانيا