الساحل: مناجم الذهب ساحة حرب جديدة بين الجماعات المسلحة والدول

8:01 م, الأربعاء, 22 يوليو 2026
الساحل: مناجم الذهب ساحة حرب جديدة بين الجماعات المسلحة والدول

كشف تقرير جديد لمنظمة “أكليد” (ACLED) المتخصصة في رصد النزاعات، صدر الأربعاء 22 يوليو 2026، تحت عنوان “استخراج تحت النار: كيف يعيد التعدين تشكيل الصراعات في الساحل الوسطى”، عن تحول استراتيجي في الصراع بمنطقة الساحل، حيث أصبحت المناجم، وخاصة الذهب، ساحة حرب جديدة تتنافس عليها الجماعات المسلحة والدول، في صراع يتجاوز حدود التمويل إلى حرب اقتصادية شاملة.

إطار التحليل: 44 منجمًا تحت المجهر

درس التقرير، الذي أعده الباحث هيني نسيبية، النزاعات المرتبطة بـ 44 منجماً، صناعياً وحرفياً، في مالي وبوركينا فاسو والنيجر. وتصدرت مناجم الذهب قائمة المواقع المستهدفة، حيث شكلت حوالي 90% من حوادث العنف المسجلة، في تنافس يشمل جماعة نصرة الإسلام والمسلمين (JNIM) وتنظيم الدولة الإسلامية في الساحل، وجبهة تحرير أزواد (FLA)، والميليشيات الموالية للحكومات (مثل متطوعي الدفاع عن الوطن في بوركينا فاسو)، والجيوش الوطنية المدعومة من فيلق أفريقيا الروسي.

الجغرافيا الجديدة للعنف: خارج أسوار المناجم

خلص التقرير إلى أن ما يقرب من 90% من النزاعات المرتبطة بالتعدين لا تحدث داخل المناجم نفسها، بل في محيطها، ضمن دائرة نصف قطرها حوالي عشرة كيلومترات، وتشمل الطرق والمدن المجاورة والأسواق المرتبطة بها. وهذا يكشف أن ما يبدو هجوماً على عاملين أو بنية تحتية، هو في الواقع صراع أوسع للسيطرة على مناطق النفوذ والموارد، حيث تتحول طرق التعدين إلى نقاط توتر ومواجهات عسكرية.

جماعة نصرة الإسلام والمسلمين: من التمويل إلى الحرب الاقتصادية

يبرز التقرير دور جماعة نصرة الإسلام والمسلمين في تحويل الصراع إلى حرب اقتصادية شاملة، تتجاوز التمويل إلى إضعاف الدولة. ففي مالي، تنفذ الجماعة استراتيجية ممنهجة تشمل فرض حصار على المدن، وقطع طرق الإمداد، وفرض ضرائب على التجار والمناجم، وخطف العمال الأجانب (خاصة الصينيين). ولا تقتصر الأهداف على جمع الأموال، بل تهدف إلى حرمان الدولة من عائدات التعدين، وإضعاف سيطرتها، وتقويض صورتها أمام المواطنين والمستثمرين.

ويوضح التقرير أن الجماعة تستخدم المناجم الحرفية كقواعد شبه دائمة، حيث يختلط المقاتلون مع العمال، ويخزنون الأسلحة والمواد، ويحصلون على متفجرات تجارية، ومواد كيميائية، ووقود، وقطع غيار للدراجات النارية، مما يعزز قدراتهم العملياتية ويجعل اكتشافهم أكثر صعوبة.

الحكومات: مواجهة عسكرية وتشريعية

في مواجهة هذا التحدي، لا تكتفي الحكومات بالعمليات العسكرية، بل تلجأ إلى إصلاحات قانونية واقتصادية. فبوركينا فاسو تتجه إلى تأميم بعض المناجم، بينما تعيد مالي التفاوض على عقود التعدين وتعديل قانونها المعدني، لزيادة سيطرتها على القطاع وضمان حصة أكبر من الأرباح. لكن هذه الإصلاحات، التي تتم في ظل انعدام الأمن، تضع الشركات العاملة في المنطقة بين مطرقة المطالب الحكومية وسندان ابتزاز الجماعات المسلحة، مما يخلق بيئة استثمارية معقدة ومحفوفة بالمخاطر.

نحو جبهة جديدة: امتداد الصراع إلى الدول الساحلية

يتوقع التقرير أن تمتد هذه الأنماط من النزاع إلى ما وراء الساحل، لتشمل الدول الساحلية في غرب أفريقيا، حيث تعزز جماعة نصرة الإسلام والمسلمين وجودها تدريجياً. وتشير تحليلات سابقة للمنظمة إلى أن الحدود بين بنين والنيجر ونيجيريا تشهد “جبهة جديدة” من العنف، مع تكامل متزايد بين الجهاد يين في الساحل ونيجيريا، مما يحول المنطقة بأكملها إلى فضاء واحد للعنف.